قصة قصيرة :🔥امراة من نار🔥بقلم :منى البريكي
قصة قصيرة :🔥امراة من نار🔥
كان سعيد شابا يافعا قد تخرج حديثا من الجامعة حين راها ذات لقاء بمكتب المحامي صديق والده الذي قبله متدربا معه .
كانت فتاة شقراء .يخالط بياض بشرتها نمش محبب . سرقت عيناها زرقة السماء الصافية و تهدل شعرها الكستنائي على كتفيها. قوامها الممشوق زادها جمالا و شفتاها المكتنزتان في تناغم اضافا على وجهها مسحة إغراء .
كانت تتمايل في مشيتها بغنج و دلال حين تمر امامه لتجلس الى مكتبها المقابل لمكتبه دون اكتراث بوجوده في بادىء الامر .و شيئا فشيئا اصبحا يتبادلان اطراف الحديث عن اجواء العمل و الزملاء و حالة الطقس كما حدثها عن نفسه باطناب و أصبحت تعرف عنه كل تفاصيل حياته .
لكنها كانت كتومة متحفظة و لم يجرؤ يوما على معرفة غير ما تجود به عليه من حين لاخر باقتضاب شديد و كان يعزو صمتها الى انشغالها الدائم بالعمل و جديتها و انضباطها .
كان كلما استرق النظر اليها وجدها منغمسة في قراءة كتاب او منشغلة بنسخ نص مرافعة كلفها بها الأستاذ و اصابعها تتحرك دون ملل و بسرعة فائقة.كان يلتهم بعينيه كل تفاصيلها و يستمتع بقربها و بمضاحكتها احيانا الى ان اصبح لا يطيق مغادرة عمله كل مساء حتى لا يفترقا .
الليلة و بعد عشرين عام سيقابلها بعد غياب و ستكون ضيفة حفل توقيع روايته التي تحكي قصة حياته .
جلس الى مكتبه ليقرا فصلا منها تحدث فيه عن حبه لها و عن خذلانها عند اول نكسة أصابته لكن نعاسا خالط جفونه جعله يستسلم لغفوة صغيرة فرآها كما تخيلها دوما تنبعث بين الصفحات كعروس انيقة ترفل في فستان من الضباب الابيض المتناثر حولها و قد استمدت جمالها من زمن الاساطير ....
استفاق سعيد من نومه و هو لا يعرف كيف يفسر كنه شعور انتابه حين رآها في حلم البارحة و ما هي الا سويعات حتى رآها تدخل قاعة الاحتفال و هي في كامل اناقتها و تبرجها كالعادة لكنه لاحظ هالات سوداء تحيط بعينيها و هي تمد يدها اليه مرحبة :" مبارك عليك النجاح لطالما فكرت بتفرد قلمك كلما قرات رسائلك التي كتبتها لي و كلي أمل بان أراك اديبا و ها قد تحقق رجائي اخيرا ."
رد عليها باقتضاب مستغربا جراتها :" ارجو ان تعجبك روايتي كما رسائلي اليك فانا لم اعد ذلك الشاب الذي عرفته "
ثم تنحى جانيا ليرحب بضيوف اخرين متعمدا ان لا تلتقي اعينهما طوال الحفل البهيج و عندما كان يهم بالخروج بعد توديع كل الحاضرين وجدها واقفة بانتظاره قائلة :"لن آخذ من وقتك الثمين اكثر من نصف ساعة نشرب فيها قهوة اذا سمحت ففي جرابي كلام يجب ان تسمعه و ان كان متاخرا،"
فرد عليها بصلف و قسوة :" آسف لا استطيع مشاركتك قهوتك فانا ذاهب للاحتفال بنجاحي مع زوجتي التي كانت نبراس طريقي و رفيقة دربي . التي احبتني رغم معرفتها بعشقي لك و انتبهت الى حزني و خواء روحي حين افلتت يدي و تركتني و مضيت غير آبهة بدموعي و حيرتي.
و رغم انها كانت تدرك مدى تغلغلك كسرطان خبيث في قلبي الا انها احتوتني بعطاء و حب لا مثيل لهما .
لقد اصبحت بعدك نديم ليل و مدمن سجائر و كنت أصل ليلي بنهاري ثملا مترنحا ضائعا بلا هدف فانتشلتني من ضياعي و احتوتني و صبرت و كابدت معي الامرين لانجح و استرد عافيتي ."
فقاطعته بالقول :"انا اليوم أريد ان أرد قلبي إليك و أفرغ كل الحقائق التي لم تعرفها عني و لا اطلب منك شيئا فانا على يقين بانني اصبحت مجرد ذكرى امرأة خائنة بنظرك
اذكر جيدا انني أرسلت اليك الكثير من الرسائل التي كانت تعود إلي دون ان تقرأها و كنت اعاني في صمت و عشت على ايقاع ذكرياتنا ،اغنياتنا ،ورودنا ، بطاقاتنا البريدية التي يملؤها الوجد و كتاباتي الساذجة التي كانت تضحكك اخطاء الرسم فيها .
لقد عانيت ضياعا مثلك و أكثر و آثرت ان تعيش بنقمتك علي على ان تحتقرني حين تكتشف فظاعة ماض مخجل كنت
أهرب منه لقد كان موغلا في الوجع و حادا كحشرجة الموت
كنت أشعر دوما بأن الاعتراف بتفاصيله سيجعلني عارية عرجاء النبض في عيونك التي أعشقها. كم كنت احب ان اكون ملاذك ،كتفك الثالثة و عشقك الذي لا يافل.
نظر اليها بعينين ملؤهما الجفاء و الاحتقار و قال لها بانه لم يعد يهتم و يفضل الا يسمع تفسيراتها بعد فوات الاوان فهو لم يدعها الا ليتأكد من خلو قلبه منها ليبدأ قصة حب حقيقي مع زوجة امنت به و احبته بلا شروط و حين تركها كانت تزم شفتيها بقوة لكي لا تقول له بانها في اخر أيامها بعد ان اجتاحها سرطان مميت و كم يضنيها و يكسرها ان لا يكون اخر من تودعه و كم كان المكان عاريا و موحشا و هو يغادرها .
بقلمي :منى البريكي

تعليقات
إرسال تعليق