مرأة الغروب 1....سلوى البحري/صفاقس تونس


مرأة الغروب 1
وقفت أمام المرآة تتملى جمالا بدأ يأفل. تتصيد مسحة إثارة كانت في تفاصيلها ترفل. هالها ما آل إليه حالها. مررت يدها على شعرها الغجري. ثم دلفت إلى الشرفة. سرحت بصرها في المدى تتفقد غيمات الخريف. شردت الغيمات وتشظت. أجدبت قبل أن تمطر وتزهر. تاهت كما العمر تنفرط سنونه. حولت بصرها إلى الخاتم الذي سجنت فيه اصبعها. بدا لها أن اصبعها يروم الانفلات من قيده تماما كعمرها الذي سرق منها. وولجت الغرفة ثانية. فتأنقت. وتعطرت. وقرارا خطيرا اتخذت. ومن أسرها تحررت. نزلت إلى الساحة تجوب الشوارع بلا هدف. تستنشق عبق الحرية. كانت تحث الخطى حينا وتتمهل أحيانا. هاهي توزع ابتساماتها العذاب على كل المارة. كانت تخبرهم ببريق عينيها أنها طلقت امرأة الغروب. إنها أنثى جديدة متحررة لاتثقلها الالتزامات. ستعيش عمرا سرق منها عمرا نذرته للتضحيات والواجبات. كالمراهقة الصغيرة كانت تتصفح الوجوه العابرة تبحث عن نظرات المعجبين وتتنصت على همسات المعاكسين وآهات العاشقين. قادتها قدماها إلى مقهى الشاطئ. دفعت الكرسي وانتزعت الحذاء. وغاصت بقدميها في الرمل. ووقفت تتأمل الموج الهادر في غدوه ورواحه. بدا لها أن رحلة الموج هي ذاتها رحلة عمرها. هرولة حثيثة مثقلة نحو المدى. ثم أوبة يغطيها زبد أبيض سرعان ما يتلاشى كلما اقترب من المنتهى. فجأة تناثر دمعها وتقاطر. فاق تدفقه قدرتها على القمع. ترافق الدمع مع شهيق فاق صداه هدير الموج. أيحصل كل هذا لأنها قرأت عن غير قصد إرسالية في هاتف زوجها؟ أم لأنه أطرى أمامها قريبته؟ أم لأنها لمحت في عينيه وهو يحادث ليلى قريبته وميض غزل خجول للخدين المتوردين والنهدين المنحوتين؟ماست الدنيا تحت قدميها. وأصابها دوار ممض كاد يطويها تحت جناحيه. تقدمت خطوات نحو الأعماق. تمنت لو لفها الموج وسحبها. وما فائدة زهرة امتص النحل رحيقها؟ما أقسى العمر على الأنثى إذا حل خريفه. فجأة أعادها رنين جوالها إلى الواقع. فاستفاقت من هواجسها. نظرت إلى الرقم المتصل. إنه ابنها الصغير. غدا تبتدئ امتحاناته. ويحها كيف نسيت ذلك. لقد وعدته أن تأخذه في جولة بعد العصر.بسرعة انتزعت نفسها من سوداوية الخواطر. وعادت إلى أمومتها. وأسرعت تسابق الريح إلى لقاء توأم روحها.فتحت الباب ورمت سامح في حضنها يعب من حنانها. وتترشف أنس رفقته. أليس هو من سامحها على نسيانها الموعد؟ أليس هو من صالحها مع زمانها؟ دلفت إلى غرفتها وقفت أمام المرآة تتملى جمالا بدأ يأفل. فأغمدت الريشة في أحمر الخدود ومررتها على الخدين حتى عاد لهما توردهما. ومررت أحمر الشفاه على ثغرها. فعاد للشفاه لهيبها . ثم رسمت بالكحل عينيها العسليتين حتى توهج وميضهما. ولما اطمأنت على زينتها خرجت تتأبط ذراع صغيرها. نظر إليها في زهو وهو يردد ما أجملك يا أمي إنك تصغرين كل يوم. أخذته بين ذراعيها. غمرته بقبلها. نظرت في عينيه وهي تردد : أنت غيمتي التي ستمطر. أنت ربيعي الذي سيزهر. أنت شروقي بعد الغروب.
سلوى البحري/صفاقس تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهقه القلب... بقلم : سجراري بدره رحمه

... مُراوَغة ........... ياسمين عبد الرؤوف