غيمة لا تمطر .............سلوى البحري تونس

قصة قصيرة بعنوان: غيمة لا تمطر
وقفت ساجدة خلف النافذة ظلام دامس يلف المكان. سحبت الستائرالحمراء القانية. برز لهاالبلور المنقوش بخطوطه المنحنية والمنكسرة. أشاحت وجهها عنه.أي نبوءة هذه؟دفعته فانفتحت الشرفة. واستقبلت ساجدة هواء منعشا عليلا. تقدمت خطوة تتأمل روعة الخالق في خلقه. لقد مضى شهر منذ أغلقت أبوابها ولم تشرعها وغرقت في الديجور.
_أين أنت؟ هيا أغلقي الشرفة.
تناهى إليها صوت فأفاقت من خيالاتها وسارعت إليه. كان سعاله يملأ الفضاء الأخرس. أخذت بيده وعدلت جلسته. دفعها بفظاظة.
_ألم تغلقي الشرفة بعد؟
هرولت مسرعة تحجب النور و تحكم بسط الظلام وهي تردد:
_بلى، بلى، لقد أغلقتها.
سقته الدواء. ثم مدّدته وشرعت تمرر يديها على مفاصله بكل ما في الكون من حنوّ. ومن له في كبره وعلته غيرها؟ ندّت عنها تنهيدة سارعت تكتمها.
_هيا أطفئي الفانوس وغادري أريد أن أنام.
انسحبت إلى غرفة الجلوس كما تعودت أن تفعل . جلست على الأريكة تحتسي قهوتهاوقد ارتسمت على ثغرها ابتسامة باهتة الملامح. تمددت وأغلقت عينيها تطلب سفرا ترتاح فيه. قفزت الأحداث سريعا تسحبها بعيدا عنها.
لقد كانت شابة فاتنة. لكنها لم تفتن إلا بعلمها وعملها.وبرعت فيهما. لقد أصرت على التخصص في أرقى الجامعات. ولم تسمح لأحد أن يحد من طموحها. فجالت العالم دارسة وباحثة حتى استقر بها المقام أخيرافي الوطن وقد ذاع صيت نجاحاتها.وهزتها نشوة انتصاراتها. لقد حققت ذاتها وشكلتها كما حلمت وتمنت. ولكن هل كان ذلك كافيا ليلجم الأفواه التي كانت ترجمها. وتطلق حمم مدافعها العانس قادمة.. العانس ذاهبة؟. أوكان ذلك كافيا ليعمي العيون التي كانت تطلق سهاما تنهشها في غدوها ورواحها؟ .
_لم أعد أحتمل نظرات الناس ولاهمسات وغمزات زبائن المقهى. لقد تركتك تحققين حلمك. ولكني لن أقبل أن أموت وأنا حيّ. لابد أن ترفعي رأسي بين العشائر. لابد أن تتزوجي. ارحمي بنيتي مشيب عجوز هدّه العمر وماذلّ. لاتكوني سبب ذلّي وهواني والعمر كما ترين قد أفل.
كان هذا خطاب والدها لها صباحا مساء. خطاب لطالما خادعته وأجلت تنفيذه متعللة بالبحث والدرس وتحقيق الذات وكل تلك الشعارات التي يخر لها الأب العطوف الرّؤوم الذي نذر حياته لوحيدته بعد موت أمها. ولكن هذا الخطاب نفذت صكوكه اليوم وما عاد يقبل تصريفا. لم يعد أمام ساجدة إلا الرضوخ شفقة على هذا الأب من سياط مجتمع لايثق في المرأة آنسة ولو أوتيت من العلم والشهرة الكثير.
_حسنا يا أبي. لقد قبلت. ولكني سأختار زوجي بنفسي.
نظر لها والدها بأسى. لم يجرؤ أن يقول لها أن العمر تقدم بها وما عاد بإمكانها أن تملي شروطها. ولكنه رفع رأسه وقد تهللت أساريره.
_ ما عاد بإمكاني أن أنتظر إن السيد فؤاد مافتئ يلح في طلبك منذ أشهر.
تبسمت في سرها. لقد لاحظت منذمدة أنه يلاحقها بسيارته ونظراته حيثما تنقلت. لقدكان أستاذها في الجامعة لطالما حفّزها ودعمها ودفعها في مدارج العرفان.ولطالما تهافتت الفتيات يطلبن وده.إلا هي فقد شغلها كيانها عن الرجال أجمعين. صحيح أنه يكبرها بعقدين ولكنها الآن جاوزت الأربعين بسنتين.
_أين أنت يا ساجدة؟
تعالى السعال عاليا. انتبهت أن موعد الحقنة يوشك أن يمضي. سارعت إلى الإبرة تعقمها وتحقنها في ورك تهدل وترهل.
_إنني هنا إلى جانبك لاتخش ومدت يدها تداعب خصلات شعره الأملس وقد غزاه المشيب. وعادت تسبح مع ذكرياتها.
_لم تتغيري يا ساجدة. مازلت فتية نشيطة.
لقد دغدغ حديثه بقايا أنوثة نافرة. وتيقّظت فيها شراهة أمومة ثائرة خالتها ذوت وماتت.لذا لم تعارض تسريعه بالزواج. بل بنت عليه أحلام عشق وغرام. كيف رضخت واستقالت من عملها لاتدري؟ ولأول مرة تجد نفسها مراهقة بلهاء. تأسرها نظرة. وتسحرها قارورة عطر يهديها لها. ويحرقها الشوق لموعد يطلبه. وتسهر تناجي طيف الحبيب. و تفك خصلات طالما أسرتها. وتلبس فساتين طالما أهملتها وتدندن مع نجاة في نزق ودلال "حتى فساتيني التي أهملتها.. فرحت به..
رقصت على قدميه..
لم يكن عرسها عاديا. فلازمر ولاطبل. لم تعارض بل اعتقدت أنه تكريم لها فهي دكتورة لاتحفل إلا بالجوهر. وفؤاد جوهرتها أهداها الزمن إياه في كبر. ولكن منذ الليلة الأولى منذ أن انغلق عليهما باب القصر اكتشفت أن من اعتقدته حبيبا ليس إلا بقايا إنسان . هكذا أخبرها. لم تحفل ببقية الحديث كيف ؟ متى؟ وما همها أن تعرف. يكفي أنها عرفت لم أصطادها من بين كل النساء؟ مر بخاطرها قوله لها في أول لقاء.. مازلت فتية نشيطة وهل تنفع مريض الإيدز غيرها؟ كان يبحث عن ممرضة مقيمة.. ممرضة حلال.. يخلو بها وتخلو به. تهم به ولايهم بها. لقد تعلمت منذ ليلتها الأولى أن تدفن سرها تقبره . فماذا ستقول لذلك الأب وقد وهن العظم منه وتقوس منه الظهر؟ وهل تطلب الطلاق بعد ليلة واحدةقضتها مع زوجها؟ وتلك السيوف البطّارة والألسنة النهّاشة كيف ستواجهها؟لقد تعلمت أن تقبر رغباتها وتعدم أحلامها. حسب الناس منها أنها الدكتورة السيدة ساجدة. وحسبها أن تهمس لنفسها في سرها ما أنا إلاممرضة آنسة عانس خضعتُ للأعراف. غيمتي لن تمطر. وأرضي جدباء لن تزهر. لك اللهم رفعت أمري.وعادت تنظر لبعلها وقد أخذه النعاس. فسحبت يدها من شعره. وعادت تقف أمام الشرفة تجذب الستار و تتأمل نقوش البلور بخطوطه المنحنية والمنكسرة. ولأول مرة انتبهت أن الخطوط ماهي إلا رحلة عمرها مع الفرح.ما إن بدأت في الارتفاع حتى انحنت وانكسرت.رحلة عرسها مع العسل واليوم تأفل آخر آيامه أسدلت الستار وغرقت من جديد في الظلام. تدندن في سرها أغنية أرقصتها نهايتها يوما وأبكاها مطلعها دهرا... أيظن أني لعبة بين يديه...؟ . (تمت)
سلوى البحري تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهقه القلب... بقلم : سجراري بدره رحمه

... مُراوَغة ........... ياسمين عبد الرؤوف